رئيس تحرير عقيدتي في دار الجمهورية للصحافة عضو المجلس الاعلي للشئون الاسلامية بالقاهرة درس اللغة العربية في جامعة الازهر
في زمن يحتاج فيه الوطن إلى مسئول يعرف قيمة الكلمة، ويدرك خطورة القرار، ويضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار، يبرز الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، نموذجًا لمسئول لا يتعامل مع موقعه باعتباره منصبًا، وإنما باعتباره أمانة ومسئولية.
ولعل الموقف الأخير للدكتور سويلم من إثيوبيا وسد النهضة يكشف بوضوح معدن هذا الرجل، ويؤكد أننا أمام مسئول يتحدث في واحد من أخطر ملفات الأمن القومي المصري بلغة واضحة، ومعلومات دقيقة، ورسائل لا تحتمل التأويل.
ففي تصريحاته الأخيرة، كان سويلم صريحًا في التأكيد على رفض مصر لشرعية سد النهضة بصورته الحالية، مشددًا على أن ضخامة السد تجعل وجود اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل أمرًا لا يمكن تجاوزه. كما أوضح أن توقيع مصر على إعلان المبادئ عام 2015 لم يكن موافقة على تشغيل السد بلا اتفاق نهائي، وإنما كان إطارًا للتعاون وخارطة طريق للوصول إلى اتفاق ينظم قواعد الملء والتشغيل.
وهنا تكمن أهمية حديث الوزير؛ فهو لم يكتفِ بترديد المواقف المعروفة، وإنما وضع النقاط فوق الحروف، وأعاد التأكيد على أن نهر النيل ليس ملكًا لدولة واحدة، وأن مياهه تخضع لقواعد القانون الدولي وحقوق والتزامات الدول المتشاركة فيه.
والأكثر أهمية أن سويلم تحدث بوضوح عن أن المفاوضات التي استمرت سنوات وصلت إلى طريق مسدود، في ظل ما وصفه بعدم الالتزام والمراوغة من الجانب الإثيوبي. وأكد أن مصر حاولت الوصول إلى تفاهمات، وأن المطلوب ليس منع التنمية في دول حوض النيل، وإنما حماية حقوق دولتي المصب ومنع الإجراءات الأحادية التي يمكن أن تلحق الضرر بهما.
لكن اللافت في حديث وزير الري الأخير هو تعليقه على تصريحات إثيوبية بشأن أهداف السدود المقامة على النيل الأزرق. فقد أشار إلى أن وزيرًا إثيوبيًا تحدث للمرة الأولى، بحسب عرض سويلم، عن أن الهدف من هذه السدود يتصل بالتحكم في المياه المتجهة إلى مصر والسودان، واعتبر سويلم ذلك تحولًا نوعيًا في الخطاب المتعلق بأهداف تلك المشروعات.
وهنا لم يكن أمام الوزير سوى أن يضع هذا الكلام في موضعه الصحيح، لأن القضية لم تعد مجرد خلاف في وجهات النظر حول مشروع هندسي، وإنما تتعلق بإدارة مورد مشترك تتوقف عليه حياة الملايين.
ومن أقوى ما جاء في تصريحات سويلم تأكيده أن مصر دولة تدعو إلى السلام، لكنها في الوقت نفسه دولة قوية تعرف حقوقها وتعرف متى وكيف تحميها. كما أكد أن مياه النيل ليست منحة أو منة من أحد، وإنما حقوق تحكمها قواعد القانون الدولي والتزامات متبادلة.
وهذا هو الفارق بين مسئول يتحدث لمجرد الحديث، ومسئول يعرف ماذا يقول، ولماذا يقول، ومتى يقول.
لقد أصبح ملف المياه في العالم كله ملفًا بالغ الحساسية، وأصبحت إدارة الموارد المائية جزءًا أساسيًا من الأمن القومي للدول. ومصر، بحكم طبيعتها الجغرافية واعتمادها التاريخي على نهر النيل، لا تستطيع أن تتعامل مع هذا الملف باعتباره قضية عادية أو خلافًا عابرًا.
ومن هنا تأتي أهمية وجود وزير يمتلك الخبرة العلمية والفنية والسياسية التي تمكنه من شرح الموقف المصري للرأي العام، وفي الوقت نفسه مخاطبة الخارج بلغة يفهمها المجتمع الدولي.
ولا يتوقف الأمر عند سد النهضة؛ فالدكتور سويلم يتحرك كذلك في ملفات تطوير منظومة الري، ورفع كفاءة استخدام المياه، وتحديث المنشآت المائية، والتوسع في التكنولوجيا والرقمنة، بما يعكس إدراكًا لحقيقة أن حماية الأمن المائي لا تكون فقط بالدفاع عن حقوق مصر في الخارج، وإنما أيضًا بحسن إدارة كل قطرة مياه داخل البلاد.
إن الدكتور هاني سويلم أمامه ملف شديد الصعوبة، لكن أداءه خلال الفترة الأخيرة يؤكد أنه يتعامل معه بعقل العالم، وخبرة رجل الدولة، وإحساس المواطن الذي يدرك أن النيل ليس مجرد مجرى مائي، وإنما شريان حياة.
ولذلك، فإن وصفه بأنه «مسئول فوق المستوى» ليس مجاملة عابرة، وإنما تعبير عن تقدير لأداء مسئول وضع قضية المياه في مكانتها الطبيعية، وتحدث في ملف سد النهضة بوضوح وثقة، ودافع عن حقوق مصر دون مواربة، وأكد في الوقت نفسه أن مصر دولة سلام، لكنها لا تقبل المساس بأمنها المائي.
ويبقى المطلوب أن تستمر هذه اللغة الواضحة، وأن يظل صوت مصر قويًا في كل المحافل، وأن يعرف الجميع أن مصر لا تبحث عن صدام، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن أن تقبل أن تتحول مياه النيل إلى ورقة ضغط على شعبها.
فالنيل بالنسبة لمصر ليس قضية تفاوضية فقط.. إنه قضية حياة.